انا مش منيح

انا مش منيح

Jul 26, 2025

ذاكرة السؤال: كيف يمكن لكلمة أن تفتح جراحًا؟

حين نسأل أحدهم: "كيفك؟"، نظن أننا نفتح نافذة على الطمأنينة. نتصور أن السؤال بحد ذاته هو فعل حنان، وأن الجواب – مهما كان – لا يعدو كونه شكلاً من أشكال المجاملة. لكن ما لا ندركه هو أن بعض الأسئلة ليست بابًا للراحة، بل جرحًا يُعاد فتحه كل مرة.

يقول زياد الرحباني في اقتباسه الشهير: "كل ما تسألني كيفك، بذكّر إني مش منيح."

وهنا تكمن العبقرية: في كيف يمكن لعبارة شائعة ومألوفة أن تتحول إلى أداة استذكار للألم.

هذا النوع من الأسى الصامت الذي يتحدث عنه زياد لا يصدر من فراغ، بل من تراكم داخلي عميق، حيث يصبح الحزن جزءًا من هوية الإنسان، جزءًا من يومه، من قهوته الصباحية، من مشيته بين الناس، بل حتى من طريقته في الرد على الآخرين.

"كيفك؟" كأداة كشف لا مجاملة

في ثقافتنا، أصبح هذا السؤال مفرغًا من معناه. لا يُنتظر منه جواب حقيقي. لكنه – paradoxically – قد يكون الشيء الوحيد الذي يوقظ الحقيقة المطمورة في صدر أحدهم. تخيّل أنك تمشي على جرحٍ منذ أشهر، متأقلمًا معه، لكنك لا تراه. وفجأة، يأتي أحدهم، ينظر في عينيك ويقول: "كيفك؟"

وفجأة، يذكّرك أنك لست بخير. لا لأنك ضعيف، بل لأنك نسيت – قهرًا – أن تتألم.

الذاكرة كعقاب

العبارة أيضًا تحمل مأساة الذاكرة: كيف يمكن للإنسان أن يتعافى إن كانت الذاكرة تُوقظ في كل سلام، وكل سؤال بريء؟

ربما لا يكون الألم في الجرح نفسه، بل في استدعائه كل مرة بطريقة غير متوقعة. تمامًا كما يحدث مع الناجين من الحروب أو من قصص الحب القديمة. إنهم لا يتألمون لأن الألم لم يُعالَج، بل لأن المجتمع يُصرّ على تذكيرهم أنهم كانوا هناك.

الصمت كوسيلة مقاومة

ربما لذلك، نرى الكثير من الناس باتوا يفضلون الصمت. لا يريدون أن يُسألوا، ولا أن يجيبوا. لأنهم يعرفون أن اللغة أحيانًا لا تداوي، بل تُعيد فتح الجروح المغلقة بمسامير النسيان.

فالسؤال "كيفك؟" ليس دائمًا من علامات الاهتمام. أحيانًا، هو تذكير قاسٍ بأنك ما زلت محطمًا، وأنك تخدع نفسك كل يوم.

image
Vous aimez cette publication ?

Achetez un café à zirak

Plus de zirak

ConfidentialitéConditionsSignaler