بين العشيرة والدولة

بين العشيرة والدولة

Jul 20, 2025

بين العشيرة والدولة: من مجازر صدام إلى تكرار الجولاني

في واحدة من أكثر اللحظات دموية في تاريخ نظام صدام حسين، قُتل صهراه، صدام كامل وحسين كامل، على يد أبناء عشيرته، بعد أن منحهم هو نفسه عفوًا رئاسيًا. عاد الرجلان إلى بغداد في فبراير 1996 بعد انشقاق قصير إلى الأردن، لتهاجمهم قوات مدججة بالسلاح في منزلهم بحي السيدية، وتُباد أسرتاهما بالكامل، بما فيهم الأطفال والنساء، بأسلحة متوسطة وخفيفة، وسط صمت الدولة وضجيج الرصاص.

في اليوم التالي، ظهر صدام حسين على شاشة التلفزيون قائلاً ما يشبه التبرؤ السياسي:

"لقد عفوت عنهما... لكن العشيرة لم تغفر".

هنا تجلى التناقض الصارخ بين مفهوم الدولة ومفهوم العشيرة، بين القانون الوضعي وشريعة الدم، في دولة لا يُعرف فيها من يحكم حقًا: الرئيس أم العرف؟ العفو أم الثأر؟

بهذه الجملة، دقّ صدام آخر مسمار في نعش ما تبقى من شرعية الدولة الحديثة. إذ كيف يمكن لدولة أن تصدر عفوًا رئاسيًا، ثم تترك لعرف عشائري أن يُلغيه؟ كيف يمكن أن تكون السلطة الرسمية مجرد ديكور أمام شراسة القبلية؟ لقد شهدنا، كما يقول الأمريكيون في احتفالاتهم بـ"الرابع من يوليو"، عروضًا نارية... لكنها كانت من نوع آخر تمامًا: دماء تُراق، وجثث تُداس، وأحذية تُغمس في البرك الحمراء.

هذا النموذج الدموي لا يبدو استثناءً في العالم العربي، بل أقرب إلى قاعدة تتكرر بأشكال مختلفة.

في المشهد السوري المعاصر، يعيد أبو محمد الجولاني – قائد هيئة تحرير الشام – إنتاج المشهد ذاته. أطلق العنان لمجموعات عشائرية للهجوم على محافظة السويداء، ثم تراجع ليقول:

"الأمر خارج عن سيطرتي... العشائر تفعل ما تشاء".

وفي الوقت ذاته، كان يجتمع سريًا مع الإسرائيليين، ويقدّم التنازلات واحدة تلو الأخرى.

مرة أخرى، نُصدم بالفراغ السيادي: لا أحد يعرف من يُصدر القرار، من يملك القوة، ومن يُحاسب من. العشائر تدخل وتخرج، تكسر قَسَم القهوة، وربما تتحول إلى شرب "نسكافيه" أو "موكا"، وكأن الرمزية القديمة فقدت معناها، وحلّ محلها مشهد عبثي تسوّقه مقاهي "ستارباكس" المنتشرة أكثر من الهمّ على القلب.

ما قبل الدولة... وما قبل الطبقة

المشكلة الأعمق ليست في صدام ولا في الجولاني، بل في البنية الاجتماعية ذاتها.

هذه المنطقة – من العراق إلى سوريا – لم تستوعب حتى الآن فكرة "الدولة الحديثة". ما يزال الولاء الأول للعشيرة أو الطائفة، لا للدستور. نحن لا نعيش في دول حقيقية، بل في تجمعات ما قبل الدولة، وربما، كما يقول الماركسيون، ما قبل الطبقة. لم تتطور المجتمعات إلى درجة أن تُنتج "طبقات" قابلة للتمثيل السياسي، بل ما زالت غارقة في "فئات" متفرقة، تتحرك غرائزيًا، وتتنازع بلا مشروع جامع.

خاتمة

الدولة ليست مجرد علم ونشيد وعيد وطني. الدولة هي عقد اجتماعي، احتكار للعنف المشروع، مؤسسة تعفو وتُحاسب، لا يلغى قرارها بطلقة من بندقية عشائرية. ما دمنا نعيش في مجتمعات تمجّد العشيرة فوق القانون، وتقدم القهوة على الدستور، فلن تقوم قائمة لدولة حقيقية. وستظل المجازر تتكرر... بنفس الأسلحة، ولكن بوجوه جديدة.image

Vous aimez cette publication ?

Achetez un café à zirak

Plus de zirak

ConfidentialitéConditionsSignaler